الزوجة والأم


كتب أبي على طرف الصورة ما يلي

لعمي الفاضل – والد زوجته – محمد خليل ظاظا من ولده
دمشق 17/12/1943

و مهرها بتوقيعه رحمه الله تعالى

بريئةُ كزهرة

لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمرها حين خُطَّتْ أولى صفحاتِ عُمرها الزوجي

كانت صغيرة، بريئة كزهرة لم تتفتّح بعد، لا تحمل من الدنيا سوى ما تحمله بنات جيلها من أحلامٍ مؤجلةٍ وآمالٍ صامتة لكنّها ارتدت ثوب الزواج كمن يُستدعى فجأة إلى مسرحِ الحياة دون تمرين مُسبق

زواجٌ عائلي، كما جرت العادة في مجتمعنا الشرقي، حيث تُعقد القِرانات لا على حبٍ، بل على أعرافٍ، وتُبنى البيوت لا على معرفةٍ، بل على اتفاقِ كبارِ العائلة


دخلت البيت الجديد غير متعلمة، لكنها كانت تحمل في قلبها فطرة الأمومة، ونُبل الوفاء، ومسؤولية الزوجة

لم تكن الحياة سهلة، فقد كان دخل أبي متواضعاً، وهو لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية، وأعباء المعيشة أثقل من عمرها الفتيّ

ومع ذلك، كانت أمي المرأة التي يُعوَّل عليها في كل شيء

بيتها الصغير

كانت تستيقظ قبل الجميع، تحضّر الفطور، تنظف البيت، وتغسل الملابس بيديها، وتُعيد ترتيب التفاصيل الصغيرة التي تصنع الدفء

ستارة معلّقة بعناية، سرير مرتّب، رائحة طعام تُشعر الرجل أنه في بيته، وتشعر أطفاله أنهم في حضن أم حقيقية

كانت تعرف أن السعادة لا تُشترى بالمال، بل تُصنع بالحب، والصبر، والرعاية

فعملت دون كلل لتصنع من بيتٍ صغير عالماً واسعاً من الراحة والسكينة، ولم تكن تشتكي، ولم تكن تنتظر شكراً أو عرفاناً

يكفيها أن يعود زوجها إلى البيت، وأن ينام أولادها دون جوع أو بكاء

ولم يكن ذلك سهلاً. لكنّها كانت السند وكانت المعين. كانت تلك المرأة التي إذا غابت، اختلّ التوازن

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
الوجع لم يتوقف عند الإفتراق.. بل امتد كطعنة الى أعز ما تملك و هي أمومتها