معاناة … وإنتصار

شاء القدر أن يُكتبَ الختام لأبي مبكراً، وهو لا يزال شاباً في مقتبل العمر، وأن يُكتبَ لنا اليُتمُ ونحن بعدُ أطفال لا نعرفُ من الحياة سوى ظلّ الأم ووجه الأب.

كنت في السادسة من عمري يوم فُجعنا بخبر سقوط الطائرة التي كانت تقله.
أما أخي مروان، رحمه الله، فقد كان في الثامنة، وأختي أسمهان، طيّب الله ثراها، كانت في العاشرة.

كنت في السادسة من عمري يوم فُجعنا بخبر سقوط الطائرة التي كانت تقله.
أما أخي مروان، رحمه الله، فقد كان في الثامنة، وأختي أسمهان، طيّب الله ثراها، كانت في العاشرة.

كان العالم في أعيننا صغيراً، والصدمة فيه كبيرة لا تُفسّر.
رحل الأب… وبقيت الأسئلة معلقة في العيون الصغيرة، تفتّش عن ملامحه، عن صوته، عن عوده الذي كان يعزف عليه أغنية “يا ظالمني” في زفاف عمتي سعاد، رحمها الله.

لكن الرحيل لم يكن وحده القاسي.
بل ما تلاه من جحود وظلم كان أشدّ مرارة من الفقد ذاته.
أهل أبي، بدل أن يحتضنوا أولادَه، قرروا أن يحرمونا من كل ما تركه.
لم نحصل على شيء…
لا قطعة ملابس تفوح منها رائحته،
ولا كتاب من مكتبته التي كانت تزخر بروائع الأدب،
ولا العود الذي كان يلحن عليه ذكرياته.

كل شيء استولت عليه زوجته الثانية — بلا وجه حق، بلا عرف، بلا شرع، ولا ذرة إنسانية.
كأننا لم نكن أبناءه. كأننا لم نكن شيئاً.

ثم أرادوا أن يمنعوا أمي حتى من حقها فينا، هي التي حملتنا، وأنجبتنا، وربّتنا، وبكت فِراقَنا.
لجأوا إلى المحاكم، تحركوا بكل الوسائل كي يُحرموا أماً من حضن أولادها، وكأنّهم لم يكتفوا بإطفاء النور من أعيننا، بل أرادوا أيضاً إطفاء الدفء من صدورنا.

لكن إرادة الله كانت فوق كل شيء.
وقف في طريقهم قاضٍ شريف، قاضي الأيتام، لا يشتري الأحكام، ولا يساوم على العدالة.
كان قلبُه ألينَ من قوانينهم، وأعدلَ من نواياهم، فأعادَ لنا أُمَّنا، وأعادها إلينا.

عُدنا إليها، لا نحمل معنا شيئاً من بيت أبي، لا ميراث، ولا تذكار،
لكننا وجدنا كل شيء في حضنها.

كانت تعمل في وظيفة متواضعة، براتب زهيد لا يكفي ليومين،
لكنها كانت تحوّله إلى أيام كاملة من الدفء، والمحبّة، والصبر.
كنا نأكل القليل، لكننا ننام دون خوف.
كنا نرتدي الثياب القديمة، لكننا نحمل كرامة لا يلبسها أحد.

كانت أمّي جيشاً لا يُهزم.
امرأة … بحجم حياة.

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
عشنا في بيت قديم متواضع، لكنه كان بالنسبة لنا قصراً من حب ودفء وطمأنينة