سيرة البكالوريا الطويلة
كانت دكية
لم تكن أمي تعمل من دون هدف في كل لحظة من حياتها، رحمها الله. وقد استغرقني وقت طويل لأفهم سرّ ذلك الإصرار، حتى صرت أباً ولديَّ بيتٌ وأطفال وواجبات لا تحتمل التأجيل أو التقصير. عندها فقط أدركت ما كانت تحمله فوق كتفيها، وهي لما تتجاوز الثلاثين من عمرها.
كانت أمي، بلا مبالغة، أذكى من كل من حولها؛ مني ومن بيت أبي وأهله (وعائلته الثانية)، وحتى من بيت أبيها. عرفت كيف تُخفي معاناتها، وتواصل العمل والدراسة بصمت، بلا شكوى ولا تذمر. وما عزمت عليه، أنجزته، بإصرار يقارب المعجزات.
ومن هنا جاءت قصة “البكالوريا … ” تلك الشهادة التي وضعت نصب عينيها أن تنالها، مهما كلّفها ذلك من تعب وسهر ودراسة وحفظ وتكرار. لم تكن مجرد شهادة مدرسية، بل كانت إعلان تحدٍّ، وصراعاً مع الزمن، وإثباتاً أن المرأة قادرة على أن تبدأ من جديد، حتى لو بدا الطريق مستحيلاً.

تجاوزت أم مروان المرحلةَ الإعدادية وهي في الثلاثين من عمرها، أمٌّ لثلاثة أطفال تعيلهم بعملها وكدّها وكفاحها، وبراتبٍ ضئيلٍ بالكاد يسدّ رمق أطفال في مرحلة النمو والنضوج.
كانت تخرج من البيت في الخامسة صباحاً، لتلحق بحافلة العمل التي تقلّها إلى ضاحيةٍ دمشقيةٍ بعيدة، تمضي نهارها هناك، ثم تعود عند السادسة مساءً، لتبدأ رحلةً أخرى لا تقلّ مشقّة: أعباء البيت، ومتابعة دراسة أولادها، وطعامهم، وصحتهم، وكل ما يحتاجونه.
لم يكن أولادها يعرفون كم تكابد من أجلهم؛
هذا يطلب، وتلك تتذمّر، وذاك يريد…
لكن كل ذلك لم يكن عبئاً عليها بقدر ما كان دافعاً، وحافزاً إضافياً لتسعى نحو حياةٍ أفضل لها ولأطفالها الثلاثة.
وهكذا، قرّرت أن تبدأ رحلةً جديدة:
الدراسة من أجل إنهاء المرحلة الثانوية، والحصول على شهادة البكالوريا.
كانت أم مروان تعود منهكةً من عملها، وبعد أن تؤمّن احتياجات أطفالها، تفتح كتبها الدراسية. على ضوء مصباحٍ خافت، تقرأ وتكتب وتلخّص وتذاكر:
هذا كتاب اللغة العربية،
وذاك كتاب الجغرافيا،
وهناك كتاب التاريخ،
وغيرها الكثير…
أما كتاب الرياضيات، فكان أصعبها عليها؛ بمادته الجامدة، ورموزه الغامضة، ومحتواه الجاف.
دخلت سهيلا امتحانات البكالوريا للمرة الأولى، وكلها أملٌ ورجاء.
لكن لم يحالفها الحظ … ولا بأس، فهناك سنة أخرى.
ثم ثانية، فثالثة، فرابعة، فخامسة…
حتى التاسعة، دون نتيجة.
قدمت أمي امتحانات البكالوريا تسع سنوات متتالية ولم تنجح!
كان من الممكن أن تفقد الأمل، أن تستسلم، أن تبقى في عملها المتواضع وبيتها الصغير، وتواصل حياة الصبر والمعاناة.
لكن سهيلا لم تكن من اللواتي يستسلمن، ولم تقبل يوماً بأقل من النجاح، ولا بأقل من الوصول إلى هدفها.
فتقدّمت للامتحانات للسنة العاشرة …
عشر سنوات من الإصرار،
عشر سنوات لم تكلّ فيها ولم تملّ،
عشر سنوات لم تعرف فيها معنى الاستسلام.
وفي صباحٍ باكر، في يومٍ صيفيٍّ من حزيران عام 1971،
استيقظتُ باكراً وخرجت من المنزل ومضيتُ إلى زاوية الشارع المجاور لبيتنا في “شورى”، حيث كان بائع الصحف ينادي بأن نتائج الثانوية العامة قد صدرت.
تجمّع الناس حوله، كلٌّ يبحث عن اسمه.
كان أحدهم قد فتح الجريدة وراح يفتّش في القوائم، فمددتُ رأسي فوق كتفه، وبدأت أبحث أنا أيضاً.
أين قائمة الدراسة الحرّة؟
وأين الفرع الأدبي؟
وهناك…
بين مئات الأسماء المطبوعة بحروفٍ صغيرة…
رأيت اسمها.
اسم أمي… سهيلا.
كانت بينهم…
وأخيراً، نجحت.
نجحت بفضل الله أولاً،
وبفضل جهدها الجبّار، وإصرارها، ومثابرتها.
نعم…
لقد نجحت أمي في امتحان البكالوريا،
ونجحت قبل ذلك في امتحان الصبر، والأمل، والحياة.
ركضتُ إلى البيت أصرخ:
يا أمي… لقد نجحتِ!
كانت تلك اللحظة — ولا تزال — من أجمل لحظات عمري وذكرياتي.
أمي نجحت…
نعم، أمي نجحت.
والحمد لله.
