افتراق الطرق

شاء القدر أن يُفتح لأبي باب الجامعة، وهناك… في أروقتها ودفاترها وعيون طالباتها، انزلقت روحه إلى درب آخر. فغوى واختار أن يبدّل دربه، أن يهدم بيتاً ليقيم آخر، وأن يُطلّق زوجة كانت له سكناً وأمّاً لأطفاله الثلاثة.

لم تسأل هي لماذا. لم تحتجّ. لم تُثِر الغبار والأتربة!
كانت “أم مروان” من أولئك النساء اللواتي يبلعن الألم كما يُبلع الدواء: بصمت، دون شكوى، ودون أن يدرك من حولها عمق ما يُكسر في داخلها.

لكنّ الوجع لم يقف عند الطلاق…
بل امتدّ كطعنة ثانية حين حُرِمت من أعزّ ما تملك: أولادها.

تركها أبي، ومضى

ثم أغلق الباب خلفه بإحكام. لم يترك لها حتى لحظة حضن، أو وداع، أو حقّ في أن ترى أبناءها حين تشتاق

لم تكن تراهم إلا نادراً، في مناسبات متباعدة، كأنّها زائرةٌ عابرة، لا أمّاً حملت وأنجبت وربّت

أمّ دون أمومة

أخذنا أبي إلى الحضانة، وهناك كنا نقضي أيامنا بعيداً عن حضنها، بعيداً عن صوتها، عن دفء يدها، عن رائحة بيتها التي كانت تسكن الذاكرة.
ومع ذلك، لم تستسلم.

كانت تأتي كل أسبوع، تحمل قلبها في يدها، وتأتي…
تزورنا لفترة وجيزة، دقائق معدودة تختزن فيها كل مشاعرها، كل اشتياقها، كل ما عجزت عنه الأيام.
كانت تمسح على رؤوسنا كأنها تعتذر لنا بصمت، وتبتسم رغم انكسارها، وتغادر بسرعة كي لا تنهار أمامنا.
وكل مرة كانت تعود أدراجها، تحمل في صدرها خيبة جديدة، ووجعاً قديماً لا يفقد حدّته أبداً.

كانت الزيارة الأسبوعية أشبه بجرعة حياة لها… وجرعة وجع. هكذا بدأت رحلتها الجديدة
أمّ دون أمومة.
امرأة دون بيت.
قلب مكسور… ومع ذلك ينبض.

لكن حتى هذا القليل… لم يُترك لها.

في أحد الأيام، حين جاءت كعادتها إلى الحضانة، كانت عيناها تلمعان بشوق، ولهفتها ترتجف على أمل اللقاء.
لكن زوجة أبي، وقد علمت بهذه الزيارات، قررت أن تنتقم من الأم بقطع آخر خيط يربطها بنا.
أمرت المعلمات أن يمنعنها من رؤيتنا.
فنُقلنا نحن، أطفالُها الثلاثة، إلى غرفة مغلقة، كأننا مجرمون يُخفونهم عن النور.

ومن خلف زجاج بعيد، كنا نراها واقفة هناك…
وحيدة، مذهولة، تبحث عنّا بعينيها، تلتفت يمنة ويسرة علّ أحداً يدلّها علينا.
كنا نصرخ ونبكي، نضرب الباب بأيدينا الصغيرة، نناديها باسمها الوحيد في قلوبنا: “ماما!”
لكنّ لا أحد استجاب.

كانت الدموع تغسل وجوهنا ونحن نراها تنكسر أمام أعيننا، يمنعها الحقد من ضمّنا، وتمنعنا القسوة من الركض نحوها.

تلك اللحظة حفرت في ذاكرتنا، وحفرت في ضميري ووجداني ولا ولن أنساها إلى الأبد!

يوم انتصر الظلم، وصمتت الرحمة

رحلت أمي في ذلك اليوم ولم نحتضنها
ورحل جزءٌ منَّا معها
هكذا بدأت “سهيلا” رحلتها الجديدة
أمّ محرومة من الأمومة
أبناءٌ يتامى من أمٍّ حَية
وجرحٌ لم يُشفَ… حتى بعد أن كبرنا

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
كان العالم معتم بأعينها و عقول أطفالها… مزيج من ألم الرحيل و وجع المعاناة و سوداوية الظلم