العزيمة والإصرار

قررت أن تهزم الزمن

لم تكن البكالوريا عند سهيلا خطَّ النهاية، ولا محط الرحال.

كانت بدايةً جديدةً لامرأةٍ قررت أن تهزم الزمن.

نجحت أمي في البكالوريا، نعم… لكنها لم تنجح على ورقٍ فحسب، بل تفوقت على القيود، وعلى العمر، وعلى نظرات الشك التي ترافق من يقرر أن يبدأ من جديد وهو على أعتاب الأربعين.

في سنٍّ يتراجع فيه كثيرون، وتنحسر الهمة عن متابعة التعلم بما يتطلبه من وقتٍ وجهدٍ وتركيز، كانت أمي تشدُّ عزمها كأنها في مطلع شبابها. لم يكن لديها فائض وقت، ولا وفرة مال، ولا جوقة مشجّعين. كان لديها شيءٌ واحد: إرادة لا تعرف المستحيل.

أبت إلا أن تصعد. لا خطوةً واحدة، بل حتى قمة الهرم.

وعندما تقدمتُ للانتساب إلى الجامعة، كنتُ في الثامنة عشرة، وكانت هي في الأربعين. دخلنا معاً بوابة الجامعة… أمٌّ وابنها، طالبان يسيران جنباً إلى جنب في أروقة جامعة دمشق.
كانت من أجمل سنوات العمر؛ نمشي معاً، يلاحقنا البائع الصغير بعلبة “شكلتس”، يتوسل بابتسامة بريئة:
“الله يخليلِك ياه”. كان يظنني صغيرها الذي تمسك بيده… ولم يكن يدري أنني أنا الذي أتشبث بعظمتها.


وبعد ثمانية أعوام، حصلت أمي على شهادتها الجامعية في الأدب الإنجليزي!

نجحت بإصرارها وعزيمتها … دون مساعدة من أحد .. وهي تركض بين عملها وبيتها وجامعتها
كانت سهيلا تتكلم الإنجليزية والفرنسية، وهي الأم والموظفة والمناضلة التي أدار لها كثيرون ظهورهم. لكنها لم تلتفت. تجاوزتهم جميعاً، وأثبتت أن المعجزات ليست حكراً على المحظوظين، بل على المؤمنين بأنفسهم.

ومع البكالوريوس في جعبتها، لم تركن إلى الراحة.
لم تكن تعرف السكون.
انتقلت إلى سلك التعليم في المملكة العربية السعودية، وهي في الخمسين من عمرها.
مدرّسة، وأم، ومناضلة… كما كانت دائماً.

عملتْ أكثر من خمسة عشر عاماً. اقتصدت، وحرمت نفسها من ترف الحياة، لا لتبني بيتاً واحداً، بل بيتين.
كانت تبني مستقبلاً، لا جدراناً.

وحين أنهت مشوارها هناك، عادت إلى دمشق، وأعطت أولادها كل ما جمعت… ولم تطلب منهم شيئًا.
لم تنتظر هدية.
لم تنتظر مكافأة.
كانت عطاؤها أكبر من أن يُقابَل.

وإلى آخر يوم، إلى آخر نبضة قلب، لم تطلب أمي من أحد شيئاً.

بعد رحيلها فقط، أدركتُ كم كانت صبورة…
كم كانت منجزة…
كم كانت واعية لمعنى الحياة ومسيرتها.

كانت عصاميةً نادرة، لا يبلغ شأوها إلا قلّة من البشر.

هذه أمي، سهيلا…

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
وجهها ساكن… لكن ملامحه لم تفقد تلك الهيبة التي صاحبتها في الحياة.