ذكريات العمر

القبو في شورى؛ ذكريات العمر

كانت السنوات تمضي، ونحن نكبر عند أمنا كأشجار زرعتها بعناية، وسقتها بالتعب والحنان، وحرستها من ريح اليتم والفقر والخذلان.
لكنها، كما كانت تفكر دائماً بخطوة تسبق الواقع، راحت تشعر أن المكان لم يعُد يليق بالمرحلة القادمة من أعمارنا.

حيّ “سوق الجمعة”، برغم دفئه الشعبي، كان يعجّ بالضجيج والباعة والمتسوقين وأصوات لا تهدأ، ولم يكن مناسباً تماماً كبيئة حاضنة لأطفال يلامسون عتبة المراهقة، ويحتاجون إلى بعض السكينة، إلى جوّ يساعدهم على الدراسة والنمو والتفكير.

فقررت أمي، مرة أخرى، أن تُغيّر مجرى الحياة.
هذه المرة، لم يكن القرار سهلاً، ولا الانتقال بسيطاً، لكنه كان ضرورياً.

بعد سنوات من العيش في “سوق الجمعة”، حيث الضجيج يملأ النهار، والباعة والمتسوقون يحتلون الأزقة، رأت أمي أن الوقت قد حان لنخطو خطوة نحو بيئة أهدأ، وأكثر ملاءمة لنا نحن الذين بدأنا نقترب من عتبة الشباب.

عندما قررت أمي أن ننتقل إلى البيت الجديد الصغير في ذلك القبو الذي استأجرته مجاوراً لجامع الأفرم في “جادة” شورى في منطقة المهاجرين

جامع الأفرم


تعود تسمية جامع الأفرم في دمشق إلى الأمير المملوك سيف الدين الأفرم، أحد كبار قادة الدولة المملوكية في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). كان الأفرم نائب السلطنة في دمشق في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد نُسب الجامع إليه لأنه قام بإنشائه أو تجديده في فترة ولايته على دمشق، فحمل اسمه تخليداً لدوره
.

حي المهاجرين – دمشق

حيُّ المهاجرين أحد أحياء دمشق، يقع على السفوح الغربية لجبل قاسيون
.
وقد سُمّي بهذا الاسم لأنه نشأ في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على يد عائلاتٍ مهاجرةٍ قدمت إلى دمشق من أنحاء مختلفة من الدولة العثمانية، ولا سيّما من الأناضول والقوقاز والبلقان، فاختارت سفح الجبل موطناً جديداً وبنت فيه بيوتاً تتدرج صعوداً مع انحدار الأرض ويتألف الحي من عدة جادات، أي شوارع رئيسية أو أحياء فرعية ضمن النسيج العمراني للمنطقة ومن بينها
جادة شورى، إحدى الجادات المعروفة في الحي، التي شكّلت جزءاً من ذاكرة المكان وسيرته

لم يكن القرار مجرد تغيير بيت، بل كان خطة تربوية بوعي عميق وهدف أعمق. أرادت أمي أن نترعرع في بيئة مختلفة عن السوق الشعبي، أن نرى وجهاً آخر من المجتمع، لتصقل تربيتنا، وترتقي ثقافتنا، وتكبر تطلعاتنا نحن الأطفال الثلاثة نحو أسمى ما نستطيع الوصول إليه بقوانا وقدراتنا الذاتية.

ومع ذلك، لم تسمح لنا أن نقطع صلتنا ببيتنا الأول وحيّنا القديم في سوق الجمعة. علّمتنا الوفاء للمكان وللناس الطيبين الذين عرفونا هناك، من الباعة والجيران الذين لم يبخلوا علينا بالرعاية والمعاملة الحسنة. ولذلك، كانت تصحبنا كل أسبوع في مشوار طويل، نعود فيه إلى السوق لنشتري الخضراوات واللحم والأغذية.

كان المشوار متعباً بعض الشيء، لكنه بالنسبة لنا كان أشبه بالنزهة، لأنه برفقتها. وهناك، لم يكن همها أن تملأ سلة الطعام فقط، بل أن تملأ عقولنا ودواخلنا بالدروس: كيف نمشي، كيف نتحدث مع الباعة، كيف ننتقي الخضراوات والفواكه، وكيف نتدبر أمرنا بالمبلغ الزهيد الذي يتوفر لديها من راتبها الضئيل. كانت تعرف أن هذه التفاصيل الصغيرة ستترك فينا بصمة عميقة، وأننا سنتعلم منها معنى الاعتماد على النفس، والمثابرة، والعمل، والأمانة.

تلك كانت أهدافاً وغايات لا يعرفها الكثير من الناس… لكنها كانت نهج حياة عند أمي.

عندما انتقلنا إلى ذلك القبو الصغير، الذي لم تكن الشمس تدخل إليه إلا من خلال نافذة ضيقة تطل على بقعة “الجنينة” الصغيرة التي زرعت فيها أمي ياسمينة بيضاء ملأتها بعبق وعطر الياسمين، وشجرة ليمون صغيرة سقتها بالصبر، كما سقَت أرواحنا بالأمل.

صار هذا القبو، بحجمه الضئيل ورطوبة جدرانه وعتمة غرفه الصغيرة، قصراً من الحنان والحب والتربية الصالحة.


نعم لقد عشنا في ذلك القبو في “شورى” أكثر من عشرين عاماً!

وفي كل تلك السنوات، لم يطرق بابنا يوماً أحدٌ من بيت أهل أبي. لا عم، ولا عمة، ولا أحد منهم لا من قريب ولا من بعيد … لم يكنوا يعتبروننا من “العائلة”. إلّا شخصٌ واحد، (ولم يكن من بيت أهل أبي)! “غسان، (أبو يوسف)” ابن العمة “عبلة” رحمها الله، الذي بقي على التواصل معنا دائماً ولم يترك والدتي وهي تعيش لوحدها بعد أن سافرتُ أنا وأخي وصارتْ أختي في بيت زوجها. لكن أبو يوسف كان يزورها ويسأل عنها حتى آخر يوم في حياتها، رحمها الله، ولا أنسى له ذلك ما بقيت حياً.

غسان مزاحم


أديب ودبلوماسي سوري سابق وابن المرحوم يوسف مزاحم الذي كان وزيراً للأوقاف خلال فترة الوحدة (1958-1961) بين مصر وسورية


لم ترث أمي شيئاً من أحد، ولم “يتكرّم” عليها أو علينا إنسان في أي يوم من الأيام بأي شيء.
بل على العكس تماماً حُرمنا من حقّنا في أبسط ما يربطنا بأبي، نحن أولاده وورثته.
لم نحصل على قطعة من ملابسه، تُبقي رائحته وذكراه حيّة معنا.
ولا على كتابٍ من مكتبته الأدبية التي كانت تزخر بروائع الأدب والشعر والفن.

ولا حتى كتابٌ واحد، من الكتب النفيسة، التي قام شقي تافه ببيعها في سوق “المسكية” بأثمانٍ بخسةٍ، إرضاء لنزواته المريضة ولكي يصرفها على تافهات الحياة ومن على شاكلته، ممن لا يقدّرون قيمة الفكر ولا الكلمة، دون أن يجد من يردعه في بيت تربى فيه وتعلم انعدام الأخلاق والضمير والأمانة.

حتى العود، ذاك الذي عزف عليه أبي ذات يوم في زفاف عمّتي سعاد، رحمها الله، أُعطي لسفيهٍ، لا يفهم قيمتهُ المعنوية ولا الفنية، بدلاً من أن يُمنح لمروان … الابنُ الأكبر، الأحق به، والأقرب روحاً لأبيه، والذي ورثَ عنه لمستَه الفنية وذوقَه الراقي.

بكل بساطة، لعلهم أرادوا أن يمحوا عنا كل أثاره، وأن يُلغوا كل صلة أو رابطة بيننا وبينه، وأن لا يتركوا لنا شيئاً، لا مادياً أو على الأقل رمزياً من أبينا.
لكنهم لم يستطيعوا أن يأخذوا من أمي عزيمتها… ولا منّا الوفاء لذكرى أبانا وحب أمنا.

ولعل هذا كان من حسن الطالع، لأنه دفع أمي للاعتماد الكلي على الله أولاً، ثم على نفسها، دون أن تنتظر من أحد شفقة أو مساعدة.
كما ساعدنا نحن على أن نكون أقوى، أن نعتمد على أنفسنا، وأن ننهض، رغم الفقر والمصاعب والتعب، لنتفوّق، بفضل الله، بعزة النفس والأمانة والصبر والعلم والعمل والإنجاز.

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
البكالوريا … تلك الشهادة التي وضعت نصب عينيها أن تنالها، مهما كلّفها ذلك