أسمهان
أسمهان… الأخت التي سبقتنا إلى الألم
كانت أسمهان الابنةَ الكبرى لأبي، وأولَ نبضةٍ أنثويةٍ في بيتٍ كان ينتظر الفرح. أحبّها أبي منذ أن كانت فكرة حياةٍ في رحم أمّي، وتعلّق بها قبل أن تفتح عينيها على الدنيا. كانت بالنسبة إليه وعداً جميلاً، وبداية فصلٍ جديد من الحنان.
لكن الحياة لا تمنح طفولتها دائماً كما ينبغي.
كبرت أسمهان بعيداً عن أمّها، في بيتٍ آخر، في عمرٍ كانت تحتاج فيه إلى حضنٍ يطمئنها، وإلى يدٍ تمسح على رأسها إذا بكت. كان عمرها عمرَ الورود، لكن الرياح لم تكن دائماً رفيقةً بالزهور. تعلّمت باكراً أن تكتم الدموع، وأن تخبّئ الألم خلف ابتسامةٍ هادئة.
لم تكن قسوة الظروف قادرةً على كسر روحها. بل صقلتها.
فمن بين الجراح خرجت قوّةٌ صامتة، ومن بين الحرمان وُلد نضجٌ مبكّر.
كانت أختاً كبرى بحقّ الكلمة.
حين نحتاجها، نجدها.
حين نخاف، تقف أمامنا.
وحين نضعف، تشدّ على أيدينا.
لم تتعلّم الرعاية من الكتب، بل من التجربة. لم يكن قلبها يتسع لنفسها فقط، بل لنا جميعاً.
ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء…
رحل أبي.


كان رحيله زلزالاً هزّ البيت والقلوب. وعدنا لنعيش مع أمّنا، وهناك ظهر وجه أسمهان الآخر… الوجه الأعمق.
لم تعد مجرّد ابنة.
صارت رفيقة أمّها.
صارت ظلّها في التعب، وصوتها في الصمت، وكتفها حين تثقل الأيام.
كانت تمشي إلى جانبها لا خلفها.
تحمل عنها ما استطاعت، وتخفي عنها ما استطاعت.
وبقيت قريبةً من أمها حتى آخر يوم… حتى آخر لحظة… حتى آخر نبضة قلب.
أسمهان لم تكن حدثاً عابراً في حياتي.
كانت جزءاً من تكويني.
من طفولتي.
من ذاكرتي الأولى.
من صور البيت القديمة التي لا يغطيها الغبار.
رحمكِ الله يا أسمهان.
لم تكوني أختاً فحسب، بل كنتِ درساً في الصبر، ومعنىً للوفاء، وصورةً مبكرةً للأمومة في قلب أخت.
ستبقين دائماً الأخت والشقيقة الوحيدة في حياتي وذاكرتي.
حضوركِ لا يُقاس بالزمن، وذكراكِ لا يطفئها الغياب.
