قيصرون
مدلل البيت

كنتُ آخرَ العنقود… مدلّلَ البيتِ وصغيرَه،
كما كانت أسمهان ومروان — رحمهما الله — يصفانني بحق.
كانت أمي ترى في عينيّ ما لم أكن أراه في نفسي.
تقرأ مستقبلي وأنا ما زلتُ طفلاً،
وتردد دائماً
“لا أقبل لك إلّا أعلى المراتب.”
وذات يومٍ وقعتُ في مشكلةٍ مدرسية،
وطلب المدير إحضار وليَّ أمري.
فجاءت هي…
الوليُّ، والوصيُّ، والمربي، والأم.
دخلت المدرسة بثباتها المعهود،
ولم تكن لتسمح لأحد أن يُنقص من قدري.
بدلاً من أن تُحاول أن تبرر وتعتذر وتعدُ بعدم تكرار أي هفوة مني،
لقّنت المدير درساً عن أخلاقي واجتهادي وتفوقي،
ولم تغادر حتى اعتذر هو منها.
رحمها الله…
كانت تؤمن بي أكثر مما أؤمن بنفسي.
والحمد لله، لم أُخَيِّب ظنّها.
ثابرتُ، واجتهدتُ،
ووصلتُ إلى ما وصلتُ إليه
بفضل الله أولاً،
ثم بدعائها ورضاها عني.
عشتُ في كنفها،
وتعلّمتُ منها الجهاد في العمل،
والصبر، والأمانة، والمثابرة.
وورثتُ عن أبي — رحمه الله —
نكهةَ الأدب،
وحبَّ الفن،
وتذوّق العربيةِ في أبهى صورها.
فنلتُ درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة أوهايو في الولايات المتحدة،
وكتبتُ كتباً ومقالاتٍ في الفيزياء والفلك،
وتتبعتُ مسارات العلم بين الذرة والمجرة.
عملتُ في البحث العلمي في جامعة كنتاكي،
ودرّستُ في الأردن والبحرين،
حاملاً ما غرسته أمي في داخلي من يقينٍ وإصرار.
وبعد التقاعد، عدتُ إلى الجذور…
جمعتُ تراث والدي الأدبي،
زهير ميرزا — رحمه الله —
ونشرتُ أعماله في ثلاثة كتب،
وأنشأتُ له موقعًا خاصاً حفظاً على إرثه وبرّاً به،
لعلّ ذلك يكون وفاءً لا ينقطع.
