الوداع الأخير

كان يدها صغيرة

يوم رحيلها لم يكن يشبه أيَّ يومٍ مضى.
عندما رنَّ الهاتف في مكتبي بالبحرين حاملاً الخبر الحزين.
فتركت كل شيء وسافرت لأكون هناك معها للوداع الأخير.

وفي بيتها عندما دخلت غرفتها وهي على سريرها تبدو نائمة بسكون وأمان
بدا كل شيءٍ هادئاً أكثر مما يحتمل القلب.
وجهها ساكن… لكن ملامحه لم تفقد تلك الهيبة التي صاحبتها في الحياة.

كأن التعب أخيراً استأذن واستقر، بعد عقودٍ من الصبر والعمل والسهر..
مددتُ يدي إلى يدها… تلك اليد التي أمسكت بيدي صغيراً، وقادتني عبر شوارع الحياة، وعبر بوابات الجامعة، وعبر سنواتٍ من الخوف والأمل.

يا الله…
كم كانت يدها صغيرة الآن.
وكم كانت عظيمة دائماً.
همستُ لها، ولا أدري إن كانت تسمعني:
“لقد فعلتِ كلَّ شيءٍ يا أمي… أكثر مما يستطيع بشر”.

لم أكن أبكي بصوتٍ عالٍ.
كان البكاء داخليّاً عميقاً، كبحرٍ لا شاطئ له.

حين حان وقت الرحيل الأخير، حملتُ معها خطواتي الثقيلة.
مشيتُ خلفها كما مشيتُ خلفها طفلاً، لكنها هذه المرة لم تكن تلتفت لتطمئن عليّ.
كنتُ أتوسل إليها لأسمع منها مرة أخيرة “الله يرضى عليك”.

وعندما وضعتها بيدي في مثواها الأخير، شعرتُ أن جزءاً مني يُدفن معها…
لكنني في اللحظة نفسها أدركتُ أنها لم تُدفن.

التراب غطّى الجسد،
لكن روحها انتشرت في كل شيء.
في الكتب التي قرأتْهَا،
في اللغات التي أتقنَتْهَا،
في البيتين اللذين بنَتْهُما،
في كل خطوةٍ خطوتها وأنا أتذكرها.
رفعتُ بصري إلى السماء، ولم أطلب معجزة.
كانت المعجزة قد حدثت منذ زمن…
اسمها سهيلا.

أمي معي دائماً في كل لحظة وكل نبضة قلب،
تجلس إلى جواري كلما كتبت،
وتبتسم لي كلما تجاوزتُ عقبة.
وهكذا فهمت أخيراً
بعض الأمهات لا يرحلن…
بل يتحولن إلى نورٍ داخلي لا ينطفئ.

أمي يا ملاكي .. يا حبي الباقي إلى الأبد
ولا تزل يداك أرجوحتي .. ولا أزل ولد

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
ورغم قسوة البدايات، كانت تلك السنوات من أجمل فترات العمر؛