فقراء … لكن سعداء


لم يكن في حوزتنا بعد وفاة أبي سوى مبلغ التعويض المادي الذي دفعته شركة الطيران بسبب الحادث المأساوي.
كان مبلغاً بسيطاً، لكنه في يد أمي صار كنزاً.

كانت تعرف أن المال يُنفق في لحظة، لكن البيت يبقى، ويصون الكرامة، ويحفظ العائلة من الضياع.

فقررت أن تشتري لنا به بيتاً متواضعاً في حيٍّ دمشقيٍّ قديم يعرفه الجميع باسم “الشيخ محي الدين”، ذلك البيت الذي كانت قد تزوجت فيه، وعاشت مع أبي وأهله خلال فترة زواجها وشاءت الأقدار أن يصبح، من جديد، موطننا لنا، لا كضيوف عند أحد، بل كأصحاب بيتٍ صغيرٍ يضمنا جميعا.

وكالعادة، لم يرضَ أهلُ أبي أن يكون لنا ما يثبت الاستقلال، فحاولوا أن ينتزعوا البيتَ بحجة حَضانتنا وتربيتنا، طمعاً فيما تبقى لنا. لكن إرادة الله كانت أقوى، وقلب أمي كان أصلب. وكما ذكرت من قبل، فشلوا في مسعاهم، وبقينا مع أمنا حيث ينبغي أن نكون.

عشنا هناك سنتان، في بيت قديم متواضع، لكنه كان بالنسبة لنا قصراً من حب ودفء وطمأنينة. كانت تلك الأيام من أجمل فترات حياتنا نحن الثلاثة مع أمنا… أيامٌ لا تُقاس بالمال، بل بضحكات المساء، وموائد الفطور البسيطة، وحكايات الليل التي كانت ترويها لنا قبل النوم.

كان البيت قديماً… لكنه كان بيتنا. وكانت الحياة صعبة…
لكنها كانت سعادتنا.

في بيتنا الصغير في “سوق الجمعة”، بدأت أمي فصلاً جديداً من كفاحها الطويل. كنا ننهض صباحاً على وقع خطواتها وهي تستعد للخروج.

تبدأ يومها عند الخامسة فجراً، تمشي بخطى سريعة في عتمة الطريق، لتلحق باص الشركة الذي ينتظرها.
كانت الرحلة طويلة، والبرد قاسياً، والتعب لا يُطاق، لكنها لم تشتكِ يوماً.

وحين تعود مساءً، في السادسة، مُنهكة الجسد، كأن الحياة بأكملها نزلت على كتفيها، ما إن تفتح باب البيت حتى تُلقي عن نفسها ثوبَ التعب، وتلبسُ من جديدٍ ثوبَ الأمومة.
تطهو لنا الطعام، تنادينا لنأكل، تمسح على رؤوسنا، وتسأل عن المدرسة، وكأنها لم تعمل لتوّها اثنتي عشرة ساعة متواصلة.

ومع مرتبها المتواضع، كانت تصرّ على أن تعطينا “خرجية” صغيرة.

كانت حصتي نصف ليرة شهرياً، لا تكفي لشراء أكثر من سندويشة فلافل أو اثنتين، فضلاً عن أي لعبة كنت أحلم بها من بعيد.

لكن تلك النصف ليرة لم تكن مجرد نقود، بل كانت رسالة: “حتى في الفقر، لكَ نصيبُكَ من الحياة.”

نعم… في ذلك البيت، عشنا فقراء، ولكن سعداء!

سعادة لا تأتي من وفرة المال، بل من قلبٍ يعرف كيف يمنح، حتى لو لم يملك الكثير.

في كل سطر هنا نبضة من قلبها..
القبو رغم حجمه الضئيل ورطوبة جدرانه وعتمة غرفه الصغيرة الا انه كان قصراً من الحنان والحب والتربية الصالحة